|
مقالة صحفية
حظيت الرواية المعنونة ببنات الرياض لمؤلفتها: رجاء الصانع
بالكثير من الحديث والنقد والجدل واحدثت الرواية انقساماً.
حاداً شطر المجتمع الثقافي - ان جاز التعبير- إلى نصفين
(مؤيد معجب بها ومعارض مستنكر لما حوته الرواية بين
دفتيها) وقد نالت الرواية ما تستحقه من الطرح والتحليل
والنقد حتى اصبحت حدثاً ثقافياً لا يمكن تجاهله فقلما تفتح
صفحة ثقافية أو منتدى ادبياً دون ان تجد حديثاً دائراً حول
بنات الرياض ومؤلفتها رجاء الصانع ولم تكتف الرواية بجعل
الصحف والمجلات والمنتديات مسرحاً للنقاش حولها بل دخلت
اروقة اندية القصة والنوادي الادبية فعقدت حولها الندوات
المختلفة وقيل الكثير عنها حتى اصبح مجرد الحديث عنها
معاداً مكروراً، وهذا الامر يجعل كل من يستل قلمه ليتحدث
عنها تتلبسه عقدة الخوف من الوقوع في فخ (الاعادة
والتكرار) نظراً لما ذكرته من الطرح الواسع الذي نالته هذه
الرواية وهذا ما يجعلني انأى بنفسي عن تناول الرواية من
منظور النقد والتحليل لمحتواها بقدر ما سأحاول الحديث عن
الرواية من زاوية أخرى لم تحفل بالكثير من الطرح واعني بها
تخصص المؤلفة العلمي (طبيبة) ونتاجها الادبي كروائية
والتأثير الذي تركه التخصص كطبيبة على بنية العمل الروائي
هذا المنعطف الذي يفتح الباب مجدداً امام سؤال عريض (ما
العلاقة بين الادب كعلم والعلوم الاخرى؟) خصوصاً وان هناك
الكثير من الفروقات في السمات الظاهرية والاهتمامات
الشخصية بين الاديب والعالم من نواح عدة فالقارئ العادي قد
يرى انه لا وجود لاية علاقة بين الادب والتخصصات العلمية
فالادب يحتاج الخيال الجامح والعاطفة الجياشة والاحساس
المرهف بينما العالم (والطبيب) يحتاج الدقة والواقعية
والصبر والتكتم الشديد على ما في النفس خشية ان يكون البوح
سبباً في احداث هزة نفسية للمريض أو ذويه بينما هواية
الادب تقوم على التنفيس والبوح والخيال الجامح والتصوير
الخيالي للواقع. والكثيرون يرون هذا العصر هو عصر التخصصات
ولكن التخصص بأي حال من الاحوال لا يعني التهجم على العلوم
الاخرى واستهجانها بل يعني اجادة التخصص ومحاولة الاطلاع
على جوانب المعرفة الانسانية. وتغليب الجانب العملي أو
العقلي الذي هو الاطار المناسب للحياة وهو صفة من صفات
اصحاب التخصصات العلمية على الجانب الادبي الذي هو الصورة
الملائمة للحياة ومن هنا فأن النتيجة ستكون دون شك حالة من
اليأس والاحباط ولربما ان هذه الرواية التي الفتها رجاء
الصانع تنطلق من بعد احداث التوازن لها هي كانسانة وحتى لا
يطغى الجانب العلمي أو العقلي على الجوانب العاطفية لديها
فيهوي بها هذا التغليب إلى حالات من الاحباط واليأس
والكآبة أو هكذا اظن، ولا يعني هذا الكلام ان الرواية كانت
لمجرد التنفيس واحداث التوازن النفسي أو انها خالية تماماً
من النواحي الابداعية أو الجمالية أو انها كانت مجرد رواية
هدفها النشر بل على العكس فهذا العمل الذي احدث انقلاباً
في المشهد الثقافي وحظي بكل هذا الجدل وكل هذا الطرح
والاختلاف حوله لهو دليل على مدى ما حفل به من جوانب
ابداعية ومجرد الحديث عن العلاقة بين الطب والادب يجرنا
إلى حديث طويل جداً عمره قرون فعلى مر العصور كان الادب
والطب صنوان وكثير من الادباء والشعراء كانوا اطباء ولم
يمنعهم تخصصهم العلمي من الدخول إلى ساحة الادب وهو ما
يؤكد ان العلاقة بين الادب والطب علاقة تكامل وان هناك
نواح بيولوجية داخل الطبيب تجعل منه صاحب احساس مرهف وشعور
وجداني راق انسان يحب الجمال والخير وتختلج في نفسه عواطف
انسانية نبيلة وقيم رفيعة راقية وهو ما تتطلبه مهنته كطبيب
يرى المريض وهو على مائدة العمليات يئن تحت وطأة المرض
وعندها ينظر الطبيب لمريضه على انه انسان بكل ما لدى
الطبيب من انسانية وعندها يندفع بكل ما يملكه من خبرات
وطاقات وجهد في سبيل انقاذ المريض وتخفيف وطأة الالم عنه
واذا لم يتعامل على هذا النحو سيهلك المريض وعندها يكون
مثل هذا الطبيب خال من العواطف وهنا يمكننا التأكيد على ان
العاطفة هي عامل مشترك بين الاديب والطبيب ولذلك فرجاء
الصانع ونتاجها الادبي كان مليئا بالعاطفة الجياشة لفتاة
ترفض امراضاً منتشرة تعانيها بنات جنسها فكانت روايتها
مليئة بالصدق والعاطفة في ذات الوقت وكانت الرواية تتبعاً
للداء ومحاولة لمحاصرته لكي تريح المرضى (بنات جنسها) من
الالم المترتب عليه فكانت العلاقة مثمرة بين تخصصها طبيبة
وهوايتها كأديبة اخرجت لنا هذا النتاج الموسوم (بنات
الرياض) وكونها كطبيبة لم يمنعها من ممارسة هوايتها
كروائية ولم يحل بينها وبين الابداع في مجال الادب كونها
ذات تخصص علمي وكثير من الانجازات العلمية كانت في الاصل
مجرد خيال واكثر ما يفتخر به الادباء في الغرب ويعدونه من
الانجازات الحضارية التي حققوها هو ادب الخيال العلمي ولم
تكن رجاء اول من صنع علاقة بين الادب والعلم فقد سبقها
لذلك كثيرون فابن سيناء وابن النفيس والرازي كانوا اطباء
ولم يمنعهم هذا من ان يتميزوا في مجالات أخرى كالادب
والفنون وفي العصر الحديث والمعاصر كان هناك العديد من
الاطباء الذين فارقوا مهنة الطب وتفرغوا للادب ومنهم
ابراهيم ناجي وكذلك هناك من جمع مهنة علمية وهواية ادبية
كالدكتور مصطفى محمود الذي الف المسرحيات وكتب في ادب
الرحلات وهو طبيب متخصص في الامراض الصدرية ورائد الادب
الاسلامي المعاصر (نجيب الكيلاني) ولعل هذا يجعلنا نؤكد ان
العلاقة بين تخصص رجاء الصانع طبيبة وبين هوايتها للادب
كان مثمراً جداً لاسيما في الجانب الانساني للرواية وهذا
هو السبب الذي اعتقد انه اسهم في خروج الرواية متميزة جداً
في جانبها الانساني والعاطفي.
|