العودة

1 يناير 2006

الانترنت بين «بنات الرياض» و«شباب جدة»

 
 

مقالة صحفية   لـ : د. فايز بن عبد الله الشهري

عجبتُ لحماس القادحين والمادحين للعمل الأدبي «مزامير من ورق» أو ما يمكن تسميته «شباب جدة» للطالبة الجامعية نداء أبو علي (22 عاما)، وعجبٌ مثله لما دار من نقاشات وصخب حول «بنات الرياض» للطبيبة رجاء الصانع (23 عاما).
ومثار العجب مردّه إلى وجود من لم يستوعبوا بعد شروط المرحلة التي لم نصنع مواصفاتها ولا نملك توجيه بوصلتها. إذ يبدو أن بعض الناقدين لهذه الأعمال لم يسمعوا بنظرية «حتمية التقنية» أو حتمية وسائل الإعلام» Media Determinism التي تعني أشياء كثيرة بينها قوة وسائل الإعلام وتأثيرها في المجتمع ضمن شروط ثقافية واقتصادية معينة نحن في عمق أعماقها اليوم.

إن أسماء نسوية شابة مثل «رجاء الصانع» أو «آلاء الهذلول» (22) أو «هديل العبدان» (17 عاما) وغيرهن، لم تكن لتجد فرصتها في الظهور السريع لولا وسائل النشر الإلكتروني والإنترنت التي سمحت لهن أن يختبرن ذواتهن دون رقابة أو وصاية.

وحيث أن هذه الطفرات محكومة بظروفها فما كان ينبغي أن تُحاكم بعض هذه التجارب فوق ما تحتمل شخوصاً وتجربةً وظرفاً تاريخيا. وحتى يتبين الفرق نذكّر هنا أن «سميرة خاشقجي» كتبت أول رواية نسائية سعودية «بريق عينيك» سنة 1963 ومع فقر الحال الأدبية آنذاك وإمكانات الكاتبة المادية والاجتماعية إلا أن حظ أعمالها من النقد والترويج لم يبلغ معشار ما حصده جيل الانترنت والفضائيات مع أن أعمال سميرة لم تتوقف طيلة عقد كامل (1963-1973) كتبت فيه ستة أعمال روائية أخرى.ولذا لم يكن غريبا أن توجت هذه المرحلة بما يمكن تسميته (بالطفرة) الروائية المفاجئة التي لا يكاد يتعدى مداها ست سنوات.

بالنسبة للباحثين والراصدين لاستخدامات الانترنت فلم يكن مفاجئا أن تظهر - في هذا الوقت بالذات - أعمال أدبيّة وفكريّة مادتها خصوصيات الشباب ووسيلة الترويج الأولى لها بيئة الانترنت.

ولم يكن مفاجئا أيضا أن يكون معظم الكتّاب والكاتبات الذين برزت أسماؤهم من خلال مواقع ومنتديات الشبكة إما في سن المراهقة أو مراحل الشباب الأول.

والتفسير القريب والواضح يقول أن هنا جيل جديد... يشكّل حوالي ثلثي عدد السكان عايش هذه الشبكة وسبح في فضاءها الحر، وفي (غياب) (أو غيبة) مؤسساتنا الثقافية والاجتماعية (حضرت) الانترنت ورافقت هؤلاء الشباب في مختلف مراحل تشكلهم العاطفي والوجداني، فأصبحت خدماتها أقرب مصدر (حميم) للإشباع الفكري والعاطفي بشقيه الحسي والرومانسي.

إذا فلا مبرر لكثير من الضجيج الذي أحدثه بعض من انتقد هذه الأعمال سواء من منطلق الانتقاد، أو من باب التطبيل لأعمال قد لا ترقى إلى أخذ مكانها في رفوف الكتب الإبداعية فهي في أفضل حالاتها إما خواطر وانفعالات وجدانية، أو ردود أفعال وتعرية لأسرار مدفونة لم تحتمل كتمانها صدور مراهقين.

من يهاجمون جرأة الشباب لم يسألوا أنفسهم ... ألسنا من أسقط بسلوكنا المتناقض أمامهم كل «نموذج » ... ماذا لو كانت الانترنت في متناول أيدي من عاشوا عصرا مضى حين كانت تكفى إذاعة دعائية بلهاء لتدفعهم إلى الشوارع... وما كان حالنا مع الانترنت لو أنها حضرت حين التقى الجمعان عبر الكاسيتات والمحاضرات في زمن ولّى؟ ...وماذا لوعدنا إلى (الزمانات) البعيدة حين كانت (غمزة) سميرة توفيق تستنهض همة شاعر صحراوي ليصفع عشيرته بقصيدة من خمسين بيتا... وقبل الانترنت ماذا كنا صنعنا بمشاعرنا لو لم يكن هناك جدران للحارة ...ودفاتر مذكرات خاصة .

إن من يعجبون من جرأة بل وتجاوز بعض الأعمال الأدبية التي تظهر عبر الانترنت ومنها إلى عالم الطباعة والنشر لم يقدروا التقنية حق قدرها. باختصار وسائل الاتصال الحديثة سمحت بكشف المستور ولكنها لم تخترعه، وما نقرأه من كتابات متجاوزة هي في معظمها لقطات فوتوغرافية لمشاهد أسهمنا في صنعها بكل ما تحويه من متاهات عاطفية وتهويمات وجدانية، وهي في النهاية سمة هذه المرحلة العمرية التي يعيشها بعض كتاب وأدباء الانترنت من الشباب.


***مسارات***


قال ومضى: حين (تمتهن) الأقدام أرضا مخضرّة فستغتال عشبها وتثير ثراها غبارا في العيون.

 

 

المصدر : جريدة الرياض

النص الأصلي هنا

جميع حقوق الكتابة والنشر محفوظة 2005 تصميم Bandar3000