العودة

5 يناير 2006

لأنهـم لم يعتادوا قراءة العتبات النسائية «بنات الرياض» عتبة أولى تعثر فيها كثير من الرجال

 
 

مقالة نقدية  لـ :  د. سعاد عبدالوهاب


«بنات الرياض» عتبة اولى تعثر فيها كثير من الرجال الذين لم يتعودوا قراءة العتبات النسائية إلى درجة انهم غرقوا في الدهشة فاستلوا موازينهم ومقاييسهم الرجالية وراحو يحسبون «الانشات والسنتيمترات» من دون وجود «المعيار» الذي يحتكمون اليه.

ايها السادة المتحمسون للجهاد في مجال فن الرواية انتم اول من يدرك او يجب ان تكونوا اول من يدرك ان نظرية الرواية لم تكتمل بعد، او على الاقل ليست في وضوح ولا صرامة نظرية الشعر او نظرية الدراما، لا اقول هذا دفاعا عن تجربة فريدة ابدعتها الدكتورة الشابة رجاء الصانع تحت العنوان المذكور اعلاه، وانما تبصرة للذين كتبوا بعجلة كأنهم يغازلون من منطق المراهقة.

رجاء الصانع بدأت روايتها من منظور يطلق عليه النقد الحداثي «المنظور التفاعلي» وهذا المنظور لم يخضع للتشريح بعد لأنه يستمد مقولاته مما جادت به «التفكيكية». والتفاعلية تعني ـ في بعض مستوياتها ـ ان المتلقي للمؤلف في توجيه الرواية ان لم يكن بالاستكمال فبتأويل، والتأويل المفرط على رأي تعبير ألبرتو ايكو، وان انتقاء النص من الانترنت الى حروف الطباعة لا يفقده هذه الحيوية المميزة التي بثتها الرواية، ونضيف اليها ان الكاتبة استخدمت مستويات من اللغة واللهجات بل اللغات عن عمد بقصد تحريك عملية التلقي بما يوازي نوعيات المتلقين ونزعاتهم فمن العربية الفصحى الى العربية الحديثة، ومن عامية نجد والبادية الى عامية الرياض وعامية مصر والاردن.. الخ، بل انها استخدمت تعبيرات انكليزية وفرنسية وذهبت بنا الى ايطاليا واميركا، وبالطبع ليس هذا نوعا من الشطح الصوفي، ولا ضربا من العجز عن لم الشمل واعادة القطيع الى حظيرته ولكنها بعض وسائل التفعيل المشار اليه، ولكن للأسف ان بعض الاساتذة والمستأتذين الذين امتشقوا اقلامهم اقاموا العرضات واستعرضوا قاماتهم على غير احتفالية تجيز لهم ذلك، واذا كان احد يستحق ان تزجى اليه التحية فهو هذه المؤلفة التي خاضت ببساطة وبشجاعة غمار تجربتها الاولى، ومشت بخطوات واثقة على شفرة السيف فقالت الكثير بصراحة ومن دون تبذل، وعرضت الكثير من الطبائع المنحرفة من دون فضائحية، حتى ان جعلت من الفضح عنوانا لمستوى التفعيل المبكر على الانترنت، وسنذكر لها بالفضل ان روايتها الجميلة استطاعت ان تحرك ركود النقد، وسكون تيارات الحداثة بأن طارت مثل فراشة تعرف الزهرة الحقيقية من الزهرة المخادعة المصنوعة من الورق القديم، وهذا هو الفرق بين ما كتبته رجاء الصانع، وما تعجل به بعض نقادها.

وشخصيا.. لم احاول ان اتعقب كتابات النقاد حول رواية رجاء الصانع فكل كاتب وما كتب هذه مسؤوليته امام قرائه، اما الذي لفت انتباهي فهو ما يتعلق بفن الرواية ذاتها من خلال النص المتحقق الذي كتبته الاديبة السعودية رجاء، اذ وجدت فيه دلالات مهمة واثارات نظرية تستحق ان نتوقف عندها، فعلى سبيل المثال ونحن ندرك ان الكاتبة فتاة (امرأة او انثى) ونحن ندرك ما تعانيه المرأة في وطننا العربي خاصة من تموج وذبذبات العلاقة بالآخر (الرجل) فليس لدينا الى الآن مستوى مستقر متواضع عليه في العلاقة بين الرجل والمرأة، فبين من يقبل السيدة وينحني امامها ويقدمها الى اصدقائه في التعارف في الصالونات المفتوحة، ومن يأمرها بأن تسير خلفه عدة خطوات كأنها كائن يحسر به ان يبرأ منه، ويبتعد عنه ويحول بينه وبين الظهور ولو بباب البيت. بين هذين القطبين المتنافرين تسير حياة المرأة تجاه معاملة الرجل. ان هذا التقاطع / التنافر قد تجسد في تشكيل هذه الرواية التي قامت على فصول متقاطعة قد يوحد بينها التقارب الزمني او البؤرة المكانية ولكن القلوب اشتات والنفوس متباعدة جدا، واضيف الى هذا التقاطع امرين: المستوى اللغوي الذي اشرت اليه في مقالة الامس حيث استخدمت مفردات متباعدة في درجة الفصاحة والعامية، وكذلك مختلفة تجمع اكثر اللهجات العربية واشهر اللغات الاجنبية، اما الامر الثاني: فهو تلك الاقتباسات التي تصدرت الفصول وقد تذكرت اقتباسات ابراهيم عبدالقادر المازني في روايته الشهيرة «ابراهيم الكاتب» وكان يتصدر كل فصل عبارة من كتب العهد القديم مثل «نشيد الإنشاد» «المزامير».. الخ.

وهنا لا اقارن بين صنيع المازني وصنيع رجاء الصانع فقد اقتبست من كل مجال من الشعر ومن الاحاديث ومن كتب التراث القديم ومن الامثال الشعبية ومن الاغاني وغيرها وهي في هذا لا تجمع «اكسسوارات» من اي محل يواجهها، فهذا فعل امرأة تتسكع في الاسواق وتفتقد الذوق والثقافة، ولكنها فعلت هذا فيما اتصور لتؤكد مبدأ التقاطع الذي تعيشه المرأة العربية كأنها تمضي في حقل من الالغام التي تحسس خطوتها بين مواقعه.

آخر ما اثير حول هذه الرواية ـ ولو مؤقتا ـ ان بعض الكتابات النقدية اخذت عليها غياب اسلوب الحكي واعتبرت ـ خطئا ـ ان اسلوب الحكي هو جوهر فن الرواية، وانا اقول لمن يزعم هذا من فضلك راجع معلوماتك، فالقدرة على الاسترسال وجاذبية القول مهارة تشهد بها كل صفحة في الرواية ويكفي انك اذا بدأت بالفصل لا تستطيع ان تتوقف الا عند خاتمته فهذا الاداء الجميل النابع من ذكاء الملاحظة ورشاقة التعبير وتجنب السفسطة الفارغة واعتزال الغرور الوطني او القومي، والقدرة على توجيه النقد، بتشريح الدخائل الانسانية من دون ان تسيل دمها، هذه مهارة محمودة لم نجددها عند اولئك المتسرعين الذين رقصوا العرضة في غير حفلة.
 

 

 

المصدر : مجلة القبس

النص الأصلي هنا

جميع حقوق الكتابة والنشر محفوظة 2005 تصميم Bandar3000