العودة

26 يناير 2006

"بنات الرياض" نجحت في طرح بعض القضايا وفشلت في معالجتها دراميا

 
 

مقالة صحفية  لـ : محمد علي العسيري


 شكّلت الرواية الصادرة مؤخراً باسم (بنات الرياض)، والتي كتبتها الروائية الشابة رجاء الصانع أثراً بالغاً على المستوى الاجتماعي المنطلق من (وعي العادات والتقاليد) وكذلك على المستوى الثقافي المنطلق من (ضرورة التغيير ومواكبة العصر)، وهو الأمر الذي شكّل الفجوة الواضحة بين (الفكرين)، وساهم بشكل مباشر في نجاح الرواية كعمل كتابيّ بغضّ النظر عن مضمونه وحبكته وما إلى ذلك، وقد آثرت في هذه القراءة تناول العمل من حيث هو عملٌ أدبيّ روائي يخضع لمعايير الرواية العصرية الناجحة، لا سيما وأنّه ـ أي العمل ـ ظفر بشهادات عِدّة من كبار النقاد والمثقفين كغازي القصيبي، والدكتور الناقد عبدالله الغذامي الذي تناول العمل من أكثر من زاوية، في دلالة واضحة منه على أن بدء التغيير في النسق الثقافي يبدأ من الداخل، وباللهجة المحكيّة التي لم تكن مثار الجدل بقدر ما شكل ترابط أحداث الرواية الإشكالية في حضورها الأدبي العام، وانطلاقاً من اعتراف الكاتبة ذاتها بأن هذا العمل عبارة عن مجموعة قصص لصديقاتها اللواتي شكّلن صورة المجتمع السعودي برأيها، مما أضعف مصداقية العمل، خصوصاً لدى المجتمع السعودي الذي عُرف بأنه محافظ بعيداً عن الآثار الدخيلة التي قد تشكّل بدء التغيير بشكل مباشر أو غير مباشر.
رواية (بنات الرياض) تجعلنا نتساءل: هل جاءت في الوقت المناسب، أم إنها سبقت الحدث؟ والواقع يؤكد أنه "لا دخان من غير نار"، وهو ما أرادت الكاتبة أن توصله من خلال هذه الرواية، بيْدَ أن المقلق حقاً في هذا العمل أنه فتح نافذة تقوم على "تعرية الواقع" بجرأة قد تكون مفقودة، وقد تكون السبب الرئيسي في التفاؤل الذي أبداه غازي القصيبي وكذلك الغذامي ومن اتفق معهم، وهو في الضدّ ذات الموقف الذي اتخذه المعارضون للعمل بصفته يشكّل (الشاذ) في المجتمع، وعلى الرغم من تناول الكاتبة وطرقها لبعض المواقف الحساسة، والتي قد تتجاوز "الخطوط الحمراء" إلا أن عملية الربط بين هذه المواقف كانت أشبه بالسرد الوقائعي، دون التفاعل الروائي الذي فُقد في العمل، سواء من حيث اللغة أو من حيث ترابط الأفكار، التي تناولتها أربع شخصيات هنّ صديقات الراوية.
باعتقادي أن رواية بنات الرياض كشفت أبعد من هذا الأمر، واتضح من خلالها تلك الفجوة التي تدل على بدء تكوّن الطبقيّة الثقافية، بين التي تنظر للعمل كونه فتحاً جديداً في عالم الرواية، وبين تلك التي ترى أنه مجرّد سردٍ يغوصُ في الإثارة وتابوهات المجتمع المحظورة بلغة محكيّة لا تضيف لمنهج الرواية أي قيمة أدبية، وهو الأمر الذي يمنح أيّ عمل أدبيّ أو غير أدبي فرصة تجاوز الأرقام القياسية في التوزيع.
رجاء الصانع (المرجوجة) ـ كما تصف نفسها ـ نجحت في رجّ الفكر العربي، وإن كانت وفّقت في استخدام منهج (تعميم الفصحى وتفصيح العامية) كما يرى الغذامي، إلا أنها افتقدت للمعالجة الدرامية للأحداث في الرواية، وهو ما أضعف الرواية برأيي، فإثارة قضيّة شائكة كالقضايا التي طُرحت في الرواية لم تكن بحاجة للطرح، بقدر ما كانت تحتاج للعلاج الدراميّ الحيّ، الذي يعكس الصورة الحقيقيّة للهدف من طرح هذا العمل، والذي قد يسدّ الذرائع على كل من احتج بأن الكاتبة قدحت في منهجيّة المجتمع المحافظ، أو مارست التعميم على حساب فئة تقف في حساب (الشاذ) الذي يمكنه فعل (الممنوع) من خلف ستار، على خلاف ما يقوم في دولٍ أخرى من علنيةٍ واضحة أقرب للفضائحيّة.
بقي أن أشير إلى أن رواية الصانع القادمة لنْ تتجاوز (بنات الرياض) من حيث الضجّة الإعلامية التي واكبتها، إلا إن اخترقت "ممنوعاً" آخر، وبجرأة أخرى حتى لا تكرر نفسها، أو تخسر حضورها الآن على الساحة العربية.

 

 

المصدر : جريدة الوطن

النص الأصلي هنا

جميع حقوق الكتابة والنشر محفوظة 2005 تصميم Bandar3000