العودة

29 يناير 2006

لماذا لا "نستنسخ " رجاء الصانع؟

 
 

مقالة صحفية  لـ : مها أبو عين


هجوم كبير وانتقاد أوسع تعرّضت له الروائية السعودية الدكتورة الصغيرة رجاء الصانع وكأنها أجرمت في حق نفسها ووطنها وفي حق الانسانية كلها . تلك الطبيبة لا تحمل ذنبا ولا اثما سوى أنها تحمل بين أنفاسها رسالة في غاية النبل والشرف وخدمة البشر تخرجت حديثا من كلية طب الأسنان في جامعة الملك سعود في السعوديه وهي في الرابعة والعشرين من عمرها أبت الا أن تحتفل بطريقتها الخاصة التي عهدتها دوما طريق النور والنصر والتحدي واثبات الذات والهوية المستقلة والبصمة الخاصة لكينونة شخصها . رفضت الاحتفالات الروتينية والمستهلكة لترقص بمزاجها الأدبي وحبر أنوثتها وقلمها الجامح وتخرج الى النور ثمرة نجاحها الأول الأكاديمي وغيره (رواية بنات الرياض ) التي أشعلت النقّاد بين مؤيد و معارض بداية من رفض الاسم الذي حمله كتابها وانتهاء الى الشك في هوية من رسمت ونسجت حروف وخيوط الرواية التي دفعت ثمنها لمجرد حبّها العلم والمعرفة والصدق مع الذات والمجتمع !
لماذا هذا النقد اللاذع وهذه السياط مرفوعة دوما بوجه المرأة العربية المبدعة الكبيرة قبل الصغيرة . رجاء الصانع أثبتت وبامتياز أنها ابنة الواقع العربي المعاش وان تناولت بشكل خاص المجتمع السعودي بعاداته وتقاليده برهنت على أن المرأة العربية عندما تريد وتصمّم على الثورة فانها تفعل دون أدنى تردّد وبكا جرأة وثقة بالنفس ودون أن تلتفت ولو برمش عين الى ذيل الأقاويل لتجسّد رواية اللاموروث واللا تقليدي في الدور المنوط للمرأة الذي ما يزال يحرم المرأة من حقّ قيادة السيارة . ألا يحق لها أن تشرب نخب النجاح والتفوق المعهود منذ أظفارها وبشهادة والديها ومن قال : القرد في عين أمّه غزال أردّ بشهادة من تتلمذت على أيديهم طوال السنين الماضية . ألا يشفع لها 24 عاما صادقت خلالها الكتاب أم أنّ الزمن الحالي قضى على موروثنا الأدبي الأجمل ( وخير جليس في الزمان كتاب ) . ألا تستحقّ منّا جائزة على العهد الذي أبرمته منذ صغرها مع المعرفة ورائحة الكتب حتى ولو أنكرنا جميل صنعها في الرواية ؟. لماذا دوما الحقيقة مرّة نهرب منها حتى في أروقة خيالنا وحلمنا المشمشي المزركش بواقع حياتي يخلو من السكر . لماذا لا نحمل الصورة كما هي دون تزييف ولا مجاملة وهذه الصانع أثبتت للجميع أن لا مجاملة في الأدب حتى لو كان يحتضر من الحصار والسجن في قفص.
ترى ما الدواعي التي دفعت بأصابع الاتهام والدعوة الى التوبة تتجه الى الروائية البيضاء الوليدة هل تمردها بالاحتفاظ بخصوصية النجاح والاستمرار فيه كقسم صريح مع ذاتها منذ المهد والى القبر وفي أحلك الظروف . هل مراّة الذات وأحلامها كسّرت نفوذ الاّخر والمجتمع ؟ هل لأنها ذلك الجناح الضعيف في بنيانه وقوته حسبما يقال عن المرأة بوصفها الأنثى دائما التي تحتاج لمن يساندها وتتبع له كالمثل القائل ( ظل رجل ولا ظل حائط ) . أسئلة كثيرة تدور في ذهني والاجابة عليها الى الان لا والدليا أن المرأة الروائية العربية في كل الحالات للأسف مشكوك في قدراتها الابداعية منذ أن ظهرت الرواية الأولى ولم تتخذ عنوانا لها ( وراء كل امرأة عظيمة رجل ) . أضيف سؤالا افتراضيا هذه المرّة هل لو كانت رجاء رجل وفي مثل عمرها ومن ذات سلالتها – نجد – هل تعرّضت لذات الانتقاد والشبهة .؟ . أعتقد أنه وعلى الرغم من صيت اسم عائلتها بدءا من حياة والدها الاعلامي الشهير عبد الله الصانع الذي توفي وهي في عمر الثامنة وعلى الرغم من ما تملكه من رصيد عدد الذكور في أسرتها -4- ربما لو كانت رجاء ذكرا حقيقيا لما واجهت كل هذا الشك على الرغم من اللبس الذي قد يشعره المرء عند قراءة الاسم الذي يحتمل التذكير والتأنيث معا .( بنات الرياض) هل لعب الحظ دوره لتشهد معه الصانع مبيعات هائلة جدا اعترفت حسب رأيها بأنه لا للحظ عندها نعم للقدر الذي وفقها في رسالتها . هكذا جاء على لسانها في برنامج خليك في البيت على شاشة المستقبل الفضائية الذي أضافت فيه أن عنصر الذكاء واجب ليس في الرواية فحسب وانما في أبسط خطوة قد يقدم عليها أي فرد لتحقيق النجاح.
أجزم بأن التنشئة الاجتماعية السليمة التي تربّت عليها كانت وراء النتاج الأدبي والدليل أمّها التي تواكب نجاحها لحظة بلحظة حتى وان كانت على الهواء مباشرة فلم تطلب منها التفرّغ الكامل لمساعدتها في المطبخ واعداد الطعام فقط أو ارغامها على أن تتزين لمقابلة عريس أو حرمانها من قراءة قصة في طفولتها أو مصاحبة صديقها ( الكمبيوتر ) . أعتقد أنها كانت محظوظة جدا بأسرتها التي دعمتها بشكل مباشر ليس في الكلام والمباهاة فقط وانما في الفعل وعلى أرض الواقع ليحيا الذكر والأنثى بذات الأسلوب من التربية لا فرق بينهم والدليل لقب والدتها ( أم الاطباء ) التي سمحت لابنتها بالحديث عن شخصها وهويتها دون أي وصاية وبحرية تامة عرفت عبرها ذاتها الانسانية قبل المهنية أدركت معها المسؤولية عن كل حرف تنطق به بثقة عمياء ودون تلعثم أو خجل لتقول : أنا رجاء الصانع وبالفعل هي التي لها الدور الأعظم في ما صنعه قلمها قبل علاماتها المدرسية والجامعية العالية . لكن ما كنّا لنرى مولودها الأدبي لو أن اخواتها الذكور تخلّوا عنها او تسلّطوا عليها بسياطهم المجتمعية الذكورية السائدة في المجتعات العربية على العكس من ذلك نعم كانوا عونا وسندا لها بعد وفاة والدها ولكن ليس فقط على شهادة الميلاد وانما في كل قرار تتخذه للنهوض بعلمها وأدبها الذي خلّف الى الاّن بنات الرياض بنات الحدائق والبساتين الجميلة من ورود الكبرياء والارادة والاصرار على بصمة الوجود الخاصة والمستقلة.
اذن لماذا لا يكون في مجتمعاتنا العربية على الأقل مليون رجاء الصانع ليس استنساخا شكليا وانما مضمونيّا . حتما لكان الوضع المجتمعي مختلفا ان أخذ كل فرد حقّه المشروع في الكلام وتحمّل المسؤولية وان لم يصل الشك في القدرات الذهنية لأي امرأة عربية بغض النظر عن ابداعها أو عدمه.


 

 

المصدر : العربية نت

النص الأصلي هنا

جميع حقوق الكتابة والنشر محفوظة 2005 تصميم Bandar3000