|
مقالة صحفية لـ :
مها فهد الحجيلان
يتساءل كثير من الآباء والأمّهات عن إمكانية السماح
لبناتهم أو أولادهم بقراءة رواية "بنات الرياض" خشية أن
تترك أثرا سلبيا على سلوكهم. ويبدو أن هذا القلق ناتج عن
سوء فهم للعمل الأدبي بشكل عام ولرسالة رواية بنات الرياض
بشكل خاص. هذا الوجل يبدو أنه ليس مقصورا على فئة معينة من
الناس بل إن بعض المتعلمين من الأكاديميين والمثقفين أبدوا
تخوّفا من أثر الرواية على القراء اعتقادا منهم أن اكتشاف
سلوك بنات الرياض سوف يُعرّف الشباب والشابّات بالحيل
والأساليب المتبعة للغزل وممارسة علاقات محرّمة.
من يقرأ رواية بنات الرياض يكتشف بوضوح أن الرواية تقوم
على تقديم عبرة أخلاقية بشكل فنّي من خلال الكشف عن مصير
الفتيات الأربع وفشلهن في الحب الحقيقي، فحتى "لميس" إحدى
شخصيات الرواية رغم أنه يبدو أنها نجحت في زواجها من شاب
من مجتمعها الحجازي لكنها مرت بتجارب فاشلة وتعرفت على غير
زوجها من قبل وأهدرت قدرا من عاطفتها وفكرها وخيالها على
أشخاص آخرين. هل كانت الرواية تريد أن تقول لنا بأن بحث
الفتيات عن الحب من خلال المعاكسات والطرق غير المنطقية
مصيره الفشل؟ وهل كان الزيف هو التعبير الصادق عن اعتقاد
الفتيات بأنّ إحداهن إذا تعرفت على شاب بشكل عشوائي
اعتبرته نصفها الحقيقي مع أن وجوده في السوق أو الكلية أو
المقهى أو النت كان مجرد صدفة وكان يمكن بشكل منطقي أن
يحلّ محله أي شخص آخر! ألم تكن الصدفة وحدها هي التي جمعت
فيصل بمشاعل وكان ممكنا أن يصطاد فيصل فتاة أخرى في مكان
آخر، كما أنه بالإمكان أن يكون شاب آخر قد تابع مشاعل
وأعطاها رقم هاتفه؟ إن الذي جمعهما ليس إلا الصدفة وهي أمر
عشوائي لا يمكن أن تنتج عنه علاقة نظيفة تستطيع أن ترقى
إلى العلاقة العاطفية السليمة المخوّلة للاستمرار بشكل
إيجابي. وأمر آخر يتعلق بالكم الهائل من العاطفة والشِّعر
والأنين والحنين الذي يصدر من الشباب وبالذات الفتيات؛ فهل
كانت الرواية تريد أن تكشف لنا عن طبيعة تلك العواطف التي
تهدرها الفتيات على العشاق ومدى زيفها بسبب كونها موجّهة
لأي شخص، بدليل أن الواحدة منهن مثل "سديم" حينما تتعرّف
على شاب تسبغ عليه كل صفات الكمال وتعتقد أنها ستهلك لا
محالة لو فارقها، ولكنه يفارقها وبعد فترة تتعلق بشاب آخر
وترى فيه ما لم تره في السابق وحتى حينما تفشل للمرة
الثانية مع "فراس" فإنها تظل مستمرة في سلوكها في اصطياد
الشباب والتعلّق بهم ثم لومهم إذا تركوها بعد فترة.
ولكن ثمة سؤال يتبادر إلى الذهن منطلقا من افتراض أنه في
حال أن الرواية كانت تريد تقديم هذه العبرة الأخلاقية
فلِمَ لم تتّعظ منها فتيات الرواية أنفسهن؟ لماذا تكرر كل
واحدة منهن أخطاءها في الارتباط بشباب من خلال طرق ووسائل
غير أخلاقية؟ هل أصبح هذا السلوك جزءا من الشخصية أو
إدمانا لا يمكن البرء منه؟ إنّ الإجابة عن هذا السؤال غير
ممكنة من دون التعرف على سمات شخصية الإنسان؛ فبعض
الشخصيات لا تتعلم من تجارب غيرها ولا حتى من تجاربها وتظل
تعيش حياة غير مستقرة. ولكن ينبغي المسارعة إلى القول بأن
هذه ليست مشكلة الكاتبة لأن الكاتبة تقدم لنا الفن وليست
مسؤولة عن طبيعة استجابات المتلقين.
إنه من الواضح أن الكاتبة قد حرصت على الإبانة عن موقفها
في دعم العبرة الأخلاقية لدرجة أنها اتجهت في بعض المواضع
إلى التصريح بتلك العبرة بشكل مباشر يتناقض مع طبيعة العمل
الفني، فتقول مثلا في بعض المقاطع: "عسى الله أن يجعل
كتابتي في ميزان أعمالي" وتضيف "أنا لا أدعي الكمال! أنا
أعترف بنقصي وجهلي، ولكن كل ابن آدم خطاء، وخير الخطائين
التوابون". وفي المقطعين السابقين نلاحظ الغطاء
الأيديولوجي الذي يسعى إلى تبرير العمل؛ وقد يكون ذلك
مقصودا لإيصال الرسالة إلى فئة معينة تحتاج إلى الشرح
المبسط والأخذ بيدها لكي تأكل طعامها!
كما تقول الكاتبة عن نفسها وعن عملها: "ليت الذين
يحاسبونني يلتفتون لتقويم أنفسهم قبل أن يثوروا لتقويمي،
علنا نتوب عن بعض معاصينا بعدما نقرأها على صفحات
الإنترنت. علنا نكشف أورامنا المستترة ونستأصلها بعد أن
أعرض لكم عينات بشعة منها تحت المجهر. إنني لا أرى عيبا في
أن أورد عيوب صديقاتي في رسائلي ليستفيد منها الآخرون ممن
لم تتح لهم فرصة التعلم في مدرسة الحياة، المدرسة التي
دخلتها صديقاتي من أوسع أبوابها، باب الحب! العيب الحقيقي
في رأيي أن يقف كل منا ضد الآخر محاولا النيل منه والتحقير
من شأنه مع أننا نعترف جميعا بوحدة الهدف، ألا وهو
الإصلاح".
فهذا المقطع يوضح الغاية الأخلاقية التي سعت الكاتبة إلى
إيصالها لنا من خلال كشفها للجوانب الخفية في شخصيات فتيات
الرواية؛ وهدفها كما تقول هو الإصلاح، وتقصد بذلك الإصلاح
الاجتماعي من خلال النظر في السلوك الخاطئ وتقويمه.
ورغم أن تدخلات الكاتبة في توجيه القراء نحو فهم النص
بصورة معينة وقراءته وفق سياق معين لا يتفق مع الطبيعة
الفنية للعمل إلا أن هذا التدخّل يعتبر ظاهرة مثله مثل
الاقتباسات في بداية كل إيميل أو فصل روائي. وقد رأى
الناقد عبدالله الغذامي في مقالته المنشورة في صحيفة
الرياض بتاريخ الأول من ديسمبر 2005 في هذه المعطيات إشارة
إلى أن الرواية شديدة الواقعية لتمثلها صورة الواقعية
الاجتماعية بنيويا، ذلك الواقع الذي تتجاور فيه الأشياء
المتناقضة دون أن يعني تجاورها قوّة الصلة بينها. وذكر بأن
"علاقة الخطابات هي علاقة تجاور فحسب، ولا يرقى ذلك إلى
درجة التداخل العضوي، فالاقتباسات الدينية والثقافية في
الرواية، من جهة وحضور التكنولوجيا من جهة ثانية، لا
يقابلهما تمثل حي لأي من هذين الخطابين في السلوك اليومي
لشخوص الرواية". وهي بذلك تحاكي شكل الحارة الحديثة التي
تكون فيها البيوت متجاورة دون أن يعني وجود علاقة بين
الجيران بالضرورة.
ولعل الرواية من جهة أخرى تعكس كذلك التناقضات العميقة في
حياة الشخصيات الروائية التي تبدو لنا وكأنها متدينة،
فـ"لميس" تتحجب و"سديم" حريصة على الصلاة حتى إن السيد
"فراس" يصحيها لصلاة الفجر ويأخذ عمرة، ومع هذا فإن هذا
التديّن لم ينههم عن الفحشاء والمنكر بل إن الشخصيات تنغمس
في ممارسة الرذيلة، فمثلا "فراس" المتدين الذي لا يفوّت
الصلاة يظل على علاقة غير شرعية مع "سديم" رغم أنه متزوج
ومحصّن وفق الاعتبارات الشرعية التي لاتفهمها هذه
الشخصيّات إلا من منظار شكلي بحت. إن هذا التناقض الفكري
الذي تعيشه هذه الشخصيات من حيث إنها شكليا متدينة وعمليا
تقترف الموبقات- يكشف لنا الفوضى في المعيار الأخلاقي الذي
يتحكّم في حياة تلك الشخصيات وعلاقتها بالمجتمع.
إنّ رواية "بنات الرياض" قد وضعت أمامنا مشكلة اجتماعية
عميقة تتعلق بتربيتنا لأولادنا وبناتنا؛ وهي مشكلة ربما لا
تكون واضحة للناس بدرجة وضوحها في الرواية. إنّها مشكلة
الفقر العاطفي لدى أبنائنا بسبب تقصير الوالدين في رعاية
أطفالهم؛ وهذا ما يدفعهم للبحث عن إشباع لتلك العاطفة خارج
المنزل. إن الفتيات في الرواية يعانين من هذه المشكلة،
فوالدا "لميس" مشغولان بأبحاثهما ودراساتهما عن بنتيهما،
ووالدة "مشيل" مطلقة ووالدة "قمرة" مشغولة دائما ربما
بأطفالها الآخرين الذين يبدو أنهم كثيرون كعادة بعض الأسر
السعودية التي يهمها عدد الأطفال دون اعتبار لشخصية كل فرد
وإعطائها حقها من العناية والرعاية.
تجدر الإشارة إلى أن الأولاد جميعا بحاجة إلى حنان
والديهم، وبالأخص الفتاة التي تحتاج إلى العطف والاهتمام
من أهلها لكي تبوح لهم بمشاعرها بكل صراحة وتخبرهم بما
يدور في ذهنها بحرية وتسمع منهم ويسمعون منها كل شيء. أمّا
وضع الحاجز النفسي بين الآباء وأبنائهم فلن ينتج لنا إلا
شخصيّات منحرفة وربما شاذة ومتناقضة مثل شخصيات "بنات
الرياض" التي هي بكل تأكيد موجودة في مجتمعنا ونراها ونعيش
معها كل يوم.
* كاتبة سعودية
|