|
مقالة صحفية لـ : يوسف أبا الخيل
لا تزال رواية «بنات الرياض» للروائية
السعودية الشابة رجاء الصانع تأخذ حيزاً كبيراً من اهتمام
قطاع عريض من المثقفين والقراء والمطلعين على اختلاف
اهتماماتهم، ويرجع الفضل في تقديري إلى جعل تلك الرواية في
بؤرة الاهتمام إلى زوايا النظر التي تم تناول الرواية من
خلالها، وتحديداً إلى تعدد الأيديولوجيات التي صاغت رؤى كل
من قدم قراءة عنها، نسبة لأنها حسب علمي كانت الرواية
الأنثوية الوحيدة التي قُدِّر لها أن تنزل إلى الساحة
الثقافية المحلية وسط هذا الزخم الجديد من تعددية الآراء
التي يتوافر مجتمعنا حالياً على قدر لا بأس به منه.
إذا جاز لنا - لغرض تقديم تحليل مبسط لجملة الآراء التي
تناولت الرواية بالنقد - أن نقسم مجتمعنا فيما يخص الأفكار
التي تتطارح على الساحة حالياً إلى محافظين ومنفتحين أو
حداثيين (أريد أن أتجنب اللغة السياسية التي تجعل الفئة
المقابلة للمحافظين هي الإصلاحيين) فإننا نستطيع القول بأن
كلاً من هذين الاتجاهين تناولا الرواية من خلال المنظور
الأيديولوجي لكل منهما، بحيث أسبغ كل منهما عليها ما يأمله
ويتمناه من دلالات فكرية تنهل هي الأخرى من الأيديولوجية
التي ينطلق كل منهما منها، فالاتجاه المحافظ وفقاً لنظرته
للعمل الروائي بشكل عام والأدب الأنثوي بشكل خاص وبما
يتوافر عليه في الغالب من عدم القدرة على التفريق بين
أحداث العمل الروائي التي تتكئ على المخيلة في جانب كبير
منها وبين الواقع الذي تريد أن تتناوله أو تشير إليه أو
تريد معالجة أحد جوانبه السلبية، لم يرَ فيها إلا عملاً لا
قيمة له حتى من الناحية الأدبية البحتة، إضافة إلى امتلائه
بالإيحاءات الجنسية وبالدعوة إلى السفور والتبرج والصرمحة
- على رأي الكاتب المصري مصطفى محمود في نقده لما اعتبره
في مقالة له نشرها عام 1992م صيحات تمرد من الجنس اللطيف
في مصر بضرورة الخروج على التقاليد والأعراف -، لكنهم لم
يشيروا إلى أية نقطة إيجابية فيها لأنهم في الأساس يرفضون
العمل الإبداعي روائياً كان أم غيره خاصة عندما يتخذ شكلاً
أنثوياً، إذ عندها تحل القارعة وما أدراك ما القارعة، إنها
لحظة القبض على شابة تمسك محبرة وورقاً وتسطر جنوناً
روائياً!!!!، بل تعدى الأمر في محاولة منهم إلى إجهاض أي
احتفاء بالرواية إلى الزعم بأنها لا تعدو أن تكون سرقة
بحرفنة من أفكار «دالاس ميلر ورواية ولد شانغهاي».
أما على الجانب الآخر وهو الاتجاه المنفتح المتطلع حسب
زعمه لتدشين الحداثة في مفاصل مجتمعنا الفكرية ففي سبيل
اهتمامه بدعم ما يعتبره تباشير تعددية بدأت تهل على
مجتمعنا أهمها سماع صوت الأنثى مسموعاً كان أو مكتوباً بعد
أن ظل هذا الصوت حيناً من الدهر محسوباً على جانب العورة
التي تعني اصطلاحياً ما يستقبح الإنسان رؤيته أو سماعه،
فقد احتفى بالرواية بشكل لم يُعهد له نظير سابق في تقديري،
وكأننا كنا قبل تلك الرواية في حالة من النقص الشديد من
العمل الروائي لتأتي هذه الرواية وتطفىء عطشاً روائياً كنا
قبله نلحس الثرى الإبداعي الغائب عنا!!!، لقد أفرد رواد
وممثلو هذا الاتجاه - في سبيل احتفائهم بالرواية - الكثير
من المقالات والمدائح فيها وأظهروها وكأنها فاصلاً رئيسياً
إن لم نقل تاريخياً بين ما قبل تلك الرواية وما بعدها، لم
أعهد احتفاءً أو على الأقل تناولاً معقولاً قام به هذا
الاتجاه مثلاً تجاه رواية «ريح الجنة» للرائع الدكتور تركي
الحمد رغم أنها تصب في مضمون إشكالية معاصرة ومعوق رئيسي
من معوقات اللحاق بركب الحضارة، والتي صدرت طبعتها الأولى
في العام الماضي فقط!!!! وهذا الاتجاه الثنائي النزعة في
قراءة وتحليل تلك الرواية لا يخرج في الغالب عن النسق
الفكري الذي يَصِم حياتنا الثقافية بشكل عام، إذ لم نتعود
على التفكير بشكل احتمالي بل لابد أن يكون الأمر إما
سواداً يقابل بياضاً وإما بياضاً يقابل سواداً.
في تقديري أن رواية «بنات الرياض» لم تكن كما وصَمَها
المحافظون، كما لم تكن أيضاً من الجانب الآخر وفقاً لما
وصفها به واحتفى بها رواد الاتجاه المنفتح على الحداثة،
يكفي أن نتذكر أنها العمل الإبداعي الأول لهذه الشابة،
ومعلوم ما يكتنف البدايات من الصعوبات الطبيعية التي لا بد
وأن ترافق أي عمل بشري ناهيك عن العمل الإبداعي بالذات
الذي لا يحتاج إلى شيء قدر حاجته إلى استمرارية الممارسة
وتنوعها لتجاوز صعوبات البدايات، وتبقى الرواية وصاحبتها
في أشد الحاجة إلى القراءة الموضوعية التي لا تنطلق من
أيديولوجية مسبقة ولا تنبعث آراؤها من خلال عقدة النظر إلى
الآخر الأيديولوجي المتربص، وهذه القراءة - على الأقل
وفقاً لما قرأته عنها - لم تحظ بها الرواية بعد وهي في ظني
أحوج ما تكون إليها.
|